• 1:52 مساءً
  • 04 ديسمبر 2021

حجية السابقة القضائية

حجية السابقة القضائية

من المعلوم أن الحكم القضائي جزئي بالنسبة لأطراف الخصومة فهو خاص لا يتعدهما إلى غيرهما إلا إلى الخلف في الارث أو الانتقال ببيع ونحوه، فإنه ينتقل إلى الخلف محملاً بهذا الحكم، وهذا فيما يتعلق بحجيته بين أطراف الخصومة، فلا يمكن تعديه إلى غيرهما لكن ما الشأن في اعتبار الحكم كالقاعدة الشرعية فيطبق على نظائر الواقعة ويستند إليه في الحكم فيكون شريعة عامة تلزم سائر المترافعين فيما لم يفصل فيه من القضايا باعتباره سابقة قضائية؟

للجواب على هذا، يجب أن يتحرر أن القاضي عند قضائه يتلقى الحكم الموضوعي الذي يستند إليه من مصادره، فيجب على الحاكم كما يقول ابن تيمية (ت:728هـ): “أن ينصب على الحكم دليلاً؛ وأدلة الأحكام الكتاب والسنة والإجماع وما تكلم الصحابة والعلماء فيه إلى اليوم بقصد حسن”،[13] فهو يعتمد على هذه الأدلة ومنها كلام أهل العلم ولا يلزمه استئناف الاجتهاد في تقرير ذلك، إلا بقدر الترجيح بين الأقوال عند الاقتضاء وهذا ما عليه المعول منذ أزمنة مديدة، وإذا حصل أن حكم القاضي في نازلة جديدة مما لم ينص عليه أهل العلم فهل ذلك ملزم له أو لغيره فيما يستقبل من الأقضية؟.

 

الحق: أن السابقة القضائية إذا جرى الاجتهاد فيها بتقعيدها وتأصيلها وصح مأخذها فإنها تكون مستنداً للقاضي الذي أصدرها أو لغيره من القضاة يستأنس بها، وقد كان القضاء بما قضى به الصالحون منهجاً عند سلفنا فهذا عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – فيما روى عنه عبدالرحمن بن يزيد يقول: “من عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه -صلى الله عليه وسلم-، ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه”[14].

 

وهذا ما يعرف عند العلماء بالاتباع ومعناه: متابعة قول الغير بعد معرفة دليله.[15].

 

أما إذا لم يصح مأخذها ولم يبن تقعيدها فلا يستند إليها، لأن الواقعة والحال ما ذكر لم يتحقق صواب الاجتهاد فيها.

 

على أنه إذا استمر العمل بالسابقة القضائية صارت أصلاً يعمل بها ولا يجوز للقاضي مخالفتها إلا بتسبيب معتبر، أخذاً من لزوم القضاء بما جرى به العمل وهو مذهب معتمد عند كثير من علماء المالكية وقرروا نقض ما يخالفه. [16].

 

وهل للقاضي تغير اجتهاده السابق إذا ظهر له ما هو أرجح منه بأن بان له اجتهاد اقوى من اجتهاده الأول أو قياس هو أولى مما صدر منه قبلا؟ إذا وقع ذلك فله الحكم فيما يستقبل بما ظهر له أخيراً، ولقد قرر عمر -رضي الله عنه- ذلك تقعيداً وتطبيقاً، فقد قال في خطابه الذي وجهه لأبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- فقال: “ولا يمنعك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه رأيك وهديت فيه إلى رشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل”.[17].

 

وقد طبق عمر -رضي الله عنه- ذلك: فقد رفع إليه امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأخواتها لأمها وأخواتها لأبيها وأمها، فاشرك عمر -رضي الله عنه- بين الإخوة للأم والإخوة لأب والأم الثلث ذكورهم وإناثهم سواء، وقال: لم يزدهم أبوهم إلا قرباً، فقال له رجل: إنك لن تشرك بينهم عام كذا وكذا فقال عمر: “تلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي”.[18]